خداع الزوج لزوجته (حلال) مباح، كلما كان السبيل إليه متاح

خداع الزوج لزوجته (حلال) مباح، كلما كان السبيل إليه متاح

 

حكى لي أحد المقربين من شخصيات القصة ـ الواقعية ـ التالية، التى جرت أحداثها فى إحدى البلاد العربية، وتم إسدال الستار على نهاية آخر فصولها السنة قبل الماضية. والقصة لزوجين طبيبين، جمعتهما قصة حب توجت فى نهايتها بزواج ميمون.

 

وإذا تم إعتبار عقود الزواج مثل كافة العقود الأخرى التى تبرم بين الأطراف لتقنن واجبات وحقوق كل طرف، فإن الزوج ملزم ـ فى هذه الحالة ـ بإبلاغ زوجته (جاريته) صراحة، عندما تجرفه نزواته وغرائزه الحيوانية لتكبيل جارية أُخرى بعقد زواج شرعي آخر. فإن قبلت جاريته القديمة بزواجه من الجارية الجديدة، ورحبت بضرتها التى ستقاسمها ـ فى أحسن الحالات ـ العبودية لذلك البعل الشريد، فهذا أقصى ما يتمناه البعل الذى كانت أحلامه الوردية تمنيه ـ دوماً ـ بتقمص شخصية الحاج متولي (الشهير). وإذا رفضت الزوجة مشاركة البعل مع الجارية الأخرى، فليس لها بعد ذلك عليه لوم أو ملامة، فله ـ فى هذه الحالة ـ تسريحها بمعروف.

 

هكذا هى أخلاق الرجال، وهذا ما تفرضه الأصول وحقوق العشرة بينه وبين جاريته القديمة. ولكن، هذا مالم يفعله البعل (الطبيب) فى القصة المتناولة بين أيدينا، فبعد ثمانية عشر سنة من زواجه بجاريته المطيعة، التى أنجبت له فى أثنائها أربعة أطفال، وطبخت له على مدارها رقم فلكي من الأكلات المتنوعة الشهية، وساعدته مادياً فى بناء عش الزوجية ـ بأغصان أسمنتية متينة ـ وعاضدته فى مشوار بناء مستقبله المهني وإكمال دراسته فوق الجامعية. بعد كل ذلك أقام الطبيب (القدوة) علاقة عاطفية مع إحدى الممرضات فى محيط عمله، أستمرت لعام ونصف، شيد فى غضونها عشاً إسمنتي آخر لجارية المستقبل التى ستحقق له مناه فى تقمص شخصية الحاج متولي (قدوته ومثله الأعلى فى هذا الشأن).

 

صحيح أن الزوجة ـ وفى معظم الحالات الزوج ـ آخر من يعلم، فقد علمت تلك الزوجة بما كان يدبره بعلها من وراء ظهرها، بعد أن غطت شائعات قصته الغرامية مع الممرضة على سحاب سماء مدينتهما فى تكاثفها، وبعد أن طغت شهرة حكايته العاطفية على قصة حسن ونعيمة الذائعة الصيت فى الأرياف المصرية.

 

وهكذا، واجهت الزوجة بعلها، فإعترف بمخططه، وطلب منها الرضوخ لرغبته. وعندما رفضت، وطلبت الطلاق، سقط فى نفسه، لأنه لو طلقها سيفقد أهم أسس وركائز شخصية الحاج متولي التى يسعى لتقمصها !.

 

ولكن الطبيب (القدوة) لم يحر فى أمره كثيراً فما كان منه ـ وقوانين بلاده لا تسمح بزواجه الجديد بدون موافقة زوجته القديمة ـ إلاّ أن زور شهادة عن طريق أحد زملائه من الأطباء العاملين معه فى أحد مستشفيات مدينته، تُفيد حيثياتها بأن جاريته القديمة غير صالحة للإستعمال الآدمي، لأن تاريخ صلاحيتها قد أنتهى، ولم تعد ـ من ثمة ـ قادرة على أداء واجباتها الزوجية.

 

قدم الطبيب (القدوة) الشهادة للمحكمة ـ فى دعوى أقامها بسرية تامة ـ حتى يستطع الحصول على الأذن بالزواج من الجارية الثانية (الممرضة)، بدون الحاجة لموافقة الجارية الأولى (الطبيبة) على زواجه السعيد، الذى سيدخله من وأوسع أبوابه لعالم شخصية الحاج متولي (مثله الأعلى). غير أن القانون ولوائحه فى مثل هذه الحالة يستدعى إعلام الجارية الأولى بأمر عزم بعلها على الإقتران بالجارية الثانية، وذلك عن طريق محضر يحمل لها  رسالة من القاضي بهذا الشأن.

 

وهذه عقبة أُخرى برزت أمام الطبيب متولي ـ كان ـ يتطلب منه موقفها العمل على تذليلها بوسائل الغش والخداع المتاحة، والتى يملك ـ فى هذا الصدد ـ خبرة وباع فيها، أفلم يسبق له تزوير الشهادة الطبية التى شهدت ـ باطلاً ـ بعطب جاريته الأولى، مم يستدعى ضرورة إستبدالها بأُخرى سليمة ؟.

 

وهكذا كان، رشى البعل متولي محضر المحكمة ـ وربما القاضي أيضاً ـ بأمكانياته المادية وخدماته الطبية الواسعة، فتم تزوير إستلام الإعلان الموجه للزوجة بتوقيعها المزور، رغم أنها لم تستلمه ولم تر ذلك الإعلان قط ! فقد شهد المحضر (المرتشي) على أنها أستلمت الإعلان المنوه عنه.

 

وقبل أن يبث القاضي المكلف بالنظر فى ملف هذه القضية، وإصدار أذنه للبعل متولي بالزواج من جاريته الثانية، وقع ملف القضية ـ المنوه عنه ـ فى يد إحدى العاملات بإدارة المحكمة. وشاءت الأقدار أن تكون هذه الموظفة تربطها علاقة صداقة بالزوجة المخدوعة، فقامت بنسخ كافة أوراق الملف وسلمتها لصديقتها.

 

لم ترغب الزوجة فى إيداع بعلها الطبيب القدوة، وزميله المزور، والمحضر المرتشي فى السجن، حيال قضية التزوير الذى تم ممارسته فى حقها. حيث عفت عنه وعنهما، وهذا من حسن الذكاء، الذى يُحسب لها، وتتميز به فى هذا الإطار؛ فقد أشار عليها عقلها الراجح، بأنه ليست هناك فائدة ترجى من حبس زوجها المخادع. بل أن إقدامها على مثل هذه الخطوة، ستكون نتائجه الإجتماعية وخيمة على أبنائها فى داخل مجتمع مدينتهم الصغير.

 

وهنا، خر الطبيب (القدوة) راكعاً على ركبتيه أمام جاريته القديمة طلباً للصفح، وغنى لها أغنية التوبة، وطلب منها نسيان الماضي بكافة سيئاته. فرحت الزوجة بعودة البعل لمكانه المعتاد فى المقطورة الأمامية، وعاش الأثنان فى ثبات ونبات، لكنهما لم يرزقا  ـ حتى كتابة هذه السطور ـ بصبيان آخرين أو بنات.

 

وهكذا، غضت الزوجة الحكيمة طرفها عن طلب الطلاق، ولم تعر الأغنية الشهيرة (أيظن أنني لعبة بين يديه) أي إعتبار فى هذا الخصوص، فقد وضعت نصب أعينها، بأن الكرامة وعزة النفس التى تقود للطلاق سيدفع ثمنها الباهظ أبناؤها ـ بالدرجة الأولى ـ من خلال فقدانهم لعوامل الإستقرار الأسري فى مجتمع شرقي، لا يرحم أفراده المطلقات اللآتي يُعيلن ـ من بين أبنائهن ـ من تم وصمهن بشهادة علامات ماركتهن التجارية بالإناث.

 

ومن هنا، فقد رأت الزوجة المحنكة بأن الأمر يتطلب وجود بعلٍ ـ بدون تنقيط العين ـ ليس فى منزلها فحسب، بل فى منزل أية أسرة محترمة، وذلك حتى تستقيم الأمور، ويرضى العرسان التقدم لبناتها؛ وأيضاً حتى يتمكن أبنائها من الزواج من فتيات أحلامهم، لأن أبناء وبنات المطلقات فى بعض المجتمعات الشرقية والمتخلفة، يكون سوق زواجهم راكد، عندما يصطدم الأمر بالمظاهر الإجتماعية والحسب والنسب، وعائلة فلان وعائلة علتان.

 

ومن هذا المنطلق، فإن ظل رجل ـ كما يقول المثل الشهير ـ أفضل من ظل حائط، حتى لو كان حائط الصين العظيم. وهكذا فقد فضلت الزوجة (الطبيبة) أن تستظل بالحائط بعلها (الطبيب القدوة)، ضاربة بذلك عرض كافة الحوائط الآخرى.

 

*****

 

لمن يخضع العقل ؟ ..

عقل الطبيب القدوة ـ إذن ـ مسئول مسئولية كاملة عن غشه وخداعه الذى مارسه ليس فقط تجاه زوجته وأبناءه، بل تجاه تعاليم ربه الذى خلقه وسواه ! هذا على الرغم من تقمصه لشخصية الفرد المتدين (الورع) الذى لا يفوته فرض، ولا تنقطع عنه عادة ـ المواظبة اليومية ـ على قراءة القرآن الكريم !.

 

والعقل من هذا المنطلق، لا يتبع السلوك الذى يتظاهر به صاحبه، ولكنه يصنعه ليقوم صاحبه بتنفيذه، ولا تقيد العلوم والمعرفة العامة من قدرات العقل فى صناعة النهج السلوكي الذى يختاره لصاحبه، لكنها تمكن العقل من توسيع مداركه، فهى ـ فى واقع الأمر ـ لا تملك تحديد نوع سلوكه الذى يتعامل به مع الآخرين فى الحياة (فى معظم الأحيان).

 

والمعنى هنا، إن الطبيب (القدوة) فى القصة الواقعية السابقة، لا ينقصه، بكافة المعايير، الإلمام بالثقافة والعلم والمعرفة الدينية والأخلاقية والعامة. فهو نموذج متكامل للشخصية الإنسانية السوية، ومع ذلك إرتكب من الذنوب والأخطاء فى واقعة واحدة، ما لا يتجرأ الأدنى منه ـ فى نطاق المستوى التعليمي والفكري والديني ـ على إرتكابه.

 

وهذا الأمر قد يحير البعض، ويربك تفكيرهم فى تحقيق فهم منطقي لمثل هذه الحالة، التى ليست فريدة نوعها فى عالمنا الذى يحوى من أمثالها مئات الملايين، ولكنه لا يدهش البتة من يعرف ـ على وجه الدقة ـ حيثيات المعادلة التى تحكم السر الذى يعمل بموجبه الإنسان فى هذا المضمار.

 

والسر ـ فى هذا السياق ـ يمكن شرحه ببساطة لا تتعدى حدود كلمات قليلة، وهى أن الأمر كله يعتمد على الجانب الذى ينحاز إليه عقل الفرد عند الموازنة فى الإختيار بين نزعتي الخير والشر. فإذا إنحاز المرء للشر، فإنه لن يتورع عن إستخدام الوسائل الشريرة لتحقيق مأربه عندما يتطلب الأمر ذلك. وإذا إنحاز للخير، فسوف تردعه مقوماته الراسخة فى ركانز قواه الذهنية ـ التى جرت العادة على تسميتها بالضمير ـ عن الإنحراف لجادة الفحشاء والمنكر.

 

وقد يتساءل أحدهم، بأنه طالما ليس هناك فارق بين متعلم وجاهل، أو عالم وصعلوك، فى إختيار السلوك الذى ينتهجه صاحبه إزاء معاملاته مع الغير، فما هى ـ إذن ـ فائدة الحرص على التعليم وتحصيل المعرفة والتمسك بالدين، طالما أنها لا تعصم صاحبها من الوقوع فى مغبة الشر ؟.

 

والجواب ـ فى هذا الصدد ـ يبرىء العلم والمعرفة والدين، فهي لا تصنع للعقل قرارته وإختياراته، بقدر ما توسع مدارك رؤيته وفهمه لمختلف الأمور. ولكن اللائمة ـ فى هذا الخصوص ـ تقع على التنشئة والتربية، والتجارب الخاصة، والعادات والتقاليد (السائدة) المحيطة بالمرء، والتى تفرض عليه عند تكونها فى كيان عقله، طبيعة الإختيارات التى ينحى إليها عند الموازنة بين نزعتي الخير والشر.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية

كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان كان ياما كان

Posted on October 27, 2009, in كتابات متنوعة. Bookmark the permalink. 1 Comment.

  1. فعلا العقل قد يعمل بكفاءة عالية عند الجاهل افضل منه عند المتعلم بمئات المرات مقال يستحق القراءة فعلا🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: